محمد بن محمد ابو شهبة
289
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ومن السابقين إلى الإسلام : أبو ذر الغفاري ، وأخوه أنيس ، وأمه ، وقصة إسلامه مبسوطة في صحيح البخاري ، وفي صحيح مسلم « 1 » . وهكذا نجد أنه دخل في الإسلام أرسال من الرجال والنساء حتى فشا الإسلام بمكة ، وتحدث به الناس في كل مكان . في دار الأرقم بن أبي الأرقم وكان الأرقم - رضي اللّه عنه - من السابقين الأولين كما رأيت ، وكانت داره منتدى يجتمع فيه المسلمون ، ويعبدون اللّه سرا ، ويلقنهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الإسلام وأصوله ، ويتعهّدهم بالتربية حتى كوّن منهم أناسا يستهينون بكل الآلام والبلاء في سبيل دينهم وعقيدتهم ، وكان من يريد الإسلام يأتي إليها مستخفيا خشية أن يناله أذى قريش ، وكانت هذه الدار عند الصفا . ومكث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه في هذه الدار حتى أسلم الفاروق عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - فاستعلنوا بعبادتهم وراغموا أهل مكة ، وأذلوهم ، وقد أعطى رسول اللّه الأرقم دارا بالمدينة ، ولعل هذا مكافأة له على ما أدته داره بمكة من خدمة جليلة للإسلام في أول عهده ، فللّه هذه الدار التي فاقت أعظم مدارس العالم ، وجامعات الدنيا ، وخرّجت أعظم رجال عرفهم التاريخ ، ولا تزال هذه الدار مفخرة خالدة للأرقم ، وشذى يتضوّع إلى يوم القيامة . شجاعة للصديق ومحنة وعرض الصدّيق أبو بكر على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - وقد وصل عدد المسلمين حوالي ثمانية وثلاثين رجلا - أن يظهروا ويستعلنوا ، فقال له : « يا أبا بكر إنا قليل » ولم يزل الصدّيق برسول اللّه حتى أذن لهم في الخروج إلى المسجد الحرام ، وتفرق المسلمون فيه كل رجل في عشيرته ، وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول اللّه جالس ، فكان أول خطيب دعا إلى اللّه ، وإلى رسول اللّه ، وثار المشركون على أبي بكر والمسلمين ، فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا ،
--> ( 1 ) صحيح البخاري - كتاب فضائل الصحابة - باب إسلام أبي ذر ، صحيح مسلم كتاب الفضائل - باب فضل أبي ذر .